فخر الدين الرازي

184

تفسير الرازي

أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك ، فهذا هو السرقة ، والثاني : أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه إلى الفقراء ، وقيل سرق عناقاً من أبيه ودفعه إلى المسكين وقيل دجاجة . والثالث : أن عمته كانت تحبه حباً شديداً فأرادت أن تمسكه عند نفسها ، وكان قد بقي عندها منطقة لإسحاق عليه السلام وكانوا يتبركون بها فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بأنه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق يسترق ، فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها . والرابع : أنهم كذبوا عليه وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع ، وبعد انقضاء تلك المدة الطويلة ، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل البتة . ثم قال تعالى : * ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) * واختلفوا في أن الضمير في قوله : * ( فأسرها يوسف ) * إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج : فأسرها إضمار على شريطة التفسير ، تفسيره أنتم شر مكاناً وإنما أنث لأن قوله : * ( أنتم شر مكاناً ) * جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه قال : فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله : * ( أنتم شر مكاناً ) * وفي قراءة ابن مسعود * ( فأسر ) * بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو علي الفارسي في هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين : الوجه الأول : قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين : أحدهما : أن يفسر بمفرد كقولنا : نعم رجلاً زيد ففي نعم ضمير فاعلها ، ورجلاً تفسير لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله : * ( فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ) * ( الأنبياء : 97 ) * ( قل هو الله أحد ) * ( الصمد : 1 ) والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد . ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضاً نحو إن كقوله : * ( إنه من يأت ربه مجرماً ) * ( طه : 74 ) * ( فإنها لا تعمي الأبصار ) * ( الحج : 46 ) . إذا عرفت هذا فنقول : نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الإضمار ، ولا يكون خارجاً عن تلك الجملة ولا مبايناً لها . وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا يحسن . والثاني : أنه تعالى قال : * ( أنتم شر مكاناً ) * وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام ، ولو قلنا : إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه قال ذلك كذباً . واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه : أما الأول : فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث . وأما الثاني : فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال .